ابن حمدون

228

التذكرة الحمدونية

تبكي ؛ فقالت : سألتك باللَّه يا أمير المؤمنين إلا ضربت عنقي الساعة وأرحتني من الفكر في هذا ، وأرحت قلبك من الهمّ ! ثم مسحا أعينهما ، ورجعت إلى الغناء . وأومأ إلى خدم وقوف بشيء لا أعرفه ، فمضوا وأحضروا أكياسا فيها عين وورق [ 1 ] ، ورزما فيها ثياب كثيرة ، وجاء خادم بدرج ففتحه ، وأخرج منه عقدا ما رأيت قطَّ مثل جوهر كان فيه ، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف فجعلت بين يديّ ، وخمسة تخوت عليها ثياب ، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن ما كنّا ، فلم نزل كذلك إلى الليل وتفرّقنا . وضرب الدهر من ضربه ، وتقلَّد المتوكَّل ، فو اللَّه إني لفي منزلي يوم نوبتي إذ هجم رسل الخليفة عليّ فما أمهلوني حتى ركبت ، فصرت إلى الدار ، فأدخلت الحجرة بعينها ، وإذا المتوكل في الموضع الذي كان فيه الواثق وعلى السرير بعينه ، وإلى جانبه فريدة ، فلما رآني قال : ويحك ! ما ترى ما أنا فيه من هذه ؟ أنا من غدوة أطالبها بأن تغنّي فتأبى ذلك ، فقلت لها : سبحان اللَّه ! تخالفين سيّدك وسيّدنا وسيّد البشر ! بحياته غنّي ، فضربت ثم اندفعت تقول [ 2 ] : [ من الوافر ] مقيم بالمجازة من [ قنونا ] وأهلك بالأجيفر فالثّماد فلا تبعد فكَّل فتى سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادي ثم ضربت بالعود الأرض ورمت بنفسها عن السرير ، ومرّت تعدو وهي تصرخ : واسيّداه ! فقال لي : ويحك ! ما هذا ؟ فقلت : لا أدري واللَّه يا سيدي ، فقال : ما ترى ؟ قلت : أرى واللَّه أن تحضر هذه ومعها غيرها ، فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين ، قال : فانصرف في حفظ اللَّه ، فانصرفت ولم أدر ما كانت القصّة .